Wael Ghonim - وائل غنيم مؤامرة على نظرية المؤامرة - الجزء الثاني - التسجيلات والشرائط
في اليوم الذي خرج الرئيس فيه بالإعلان الدستوري، بدأت جموع المؤيدين في الاحتشاد وتأييد قرارات الرئيس في شوارع مصر. السبب الرئيسي للتأييد كان بناء على قناعة بثها أغلب القيادات المحركة للجماهير أن الرئيس يتعرض لمؤامرة كبرى من قوى الثورة المضادة تخطط لإسقاطه والانقلاب على حكمه باستخدام المحكمة الدستورية والنائب العام.
انكشفت للرئيس خيوط المؤامرة في تلك الليلة التي كان من المفترض أن يسافر فيها لباكستان، فقرر البقاء في القاهرة لخطورة الموقف، وأرسل نائب رئيس الجمهورية بدلا منه. لا أحد يعرف يومها من الذين استشارهم الرئيس، فنائب الرئيس لم يكن على علم بالموضوع أساسا وحينما عاد قدم استقالته ورُفضت، ووزير العدل لم يكن يعرف هو الآخر شيئا وصرح بأن الإعلان الدستوري صدر دون علمه، ومستشاري الرئيس للشؤون السياسية والإعلامية والحوار المجتمعي علموا مثلهم مثل الجمهور عبر شاشات التلفزيون وقدموا استقالاتهم بعد اندلاع الأزمة. من الذي أقنع الرئيس بالمؤامرة؟ وما هي الأدلة التي قدمت له ليتخذ قراراته؟ وكيف خرج الإعلان الدستوري بهذا الكم من الأخطاء القانونية وركاكة الأسلوب؟ .. لا أعرف.
الرئيس يومها اقتنع بأن المحكمة الدستورية بعد أيام ستحكم بحل التأسيسية ومجلس الشورى وكذلك -وهو الأخطر في نظره- ستلغي إعلانه الدستوري الأول مما يعني عودة المجلس العسكري للسلطة. لم يحاول الرئيس يومها البحث بموضوعية عن صحة هذه الأحكام التي ستتخذها المحكمة الدستورية، خاصة وأن قضية إلغاء الإعلان الدستوري الأول في محكمة القضاء الإداري ولم تكن أساسا على جدول أعمال الدستورية (الدستورية أكدت أن الحكم في شرعية الإعلان الدستوري الأول للرئيس لم يكن بالأساس على جدول أعمالها وأنها لا تملك إسقاط الرئيس أو عزله من منصبه)، كما أن مجلس الشورى إذا فرضنا أنه سيتم حله فمثله مثل مجلس الشعب الذي ارتضى الرئيس نفسه بحكم القضاء بحله وأكد على احترامه أحكام القانون، أما التأسيسية فحتى لو تم حلها (بالرغم من أن تقرير لجنة المفوضين لم يوصي بحلها) فالرئيس يملك الحق بإعادة تشكيلها مرة أخرى، وذلك استنادا لما لديه من سلطات.
رد الفعل المضاد للإعلان الدستوري تسبب في حالة ارتباك لدى مؤسسة الرئاسة وقواعد المؤيدين للرئيس، وهنا ظهرت التبريرات التي تحاول إقناع المؤيدين ومن لم يكوّنوا رأيا بعد، عن أن الرئيس اضطر اضطرارا لكل هذه القرارات بسبب وجود مؤامرة كبرى تهدف لعزله. وقرأنا يومها عبر آلاف الصفحات واشتراكات الفيسبوك وتويتر حديثا عن أن الرئيس يملك أدلة مادية تؤكد على هذه المؤامرة، ومنها شريط فيديو لاجتماع عقدته قوى الثورة المضادة ممثلة في (النائب العام - أحمد الزند - تهاني الجبالي - مرتضى منصور ... وغيرهم) وهم يخططون لإسقاط الرئيس.
مرت الأيام تلو الأخرى، نسي الجميع قصة الشريط، وأحاديث المؤامرة الكبرى التي هدفت لقلب نظام الحكم وعودة المجلس العسكري. ولكن بقيت لنا آثار الإعلان الدستوري. متمثلة في نائب عام جديد عينه رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، ودستور تم تمريره دون توافق بين القوى السياسية (كما وعد الرئيس قبل انتخابه كأحد الاستحقاقات الانتخابية لمن سينتخبه)، وكذلك بقيت لنا آثار نظريات مؤامرة لم تتضح لنا الأدلة عليها حتى اليوم.
مجموعة من الأسئلة المنطقية يمكن سؤالها لمن وقع ضحية تصديق وجود هذه التسجلات المزعومة: ألم يكن من المفترض من صانع القرار أن يطلع الشعب المصري على هذه التسجيلات؟ ألم يكن قادرا على تسريبها للإنترنت دون معرفة مصدرها طالما أنها بالصوت والصورة؟ ألا يجب افتراض أن وزير الدفاع متآمرا هو الآخر بصفته عضو سابق في المجلس العسكري الذي يُخطط لعودته؟ لماذا لم يتم تقديم الأدلة للنائب العام الجديد للتحقيق ومحاسبة المتآمرين؟
والسؤال الأهم لمن صدق حينها رواية وجود تسجيلات بالصوت والصورة لأطراف يتآمرون مع المحكمة الدستورية لإسقاط الرئيس: هل لا زلت على قناعة بوجود هذه الأشرطة والتسجيلات؟
هذه القصة أصبحت جزءا من التاريخ، وكتابتي عنها تهدف لأمر واحد فقط وهو أن نخرج بدرس من ماض ليس ببعيد، وألا نهرع سريعا لتصديق نظريات المؤامرة التي تطلقها السلطة ضد المعارضة، أو حتى التي تطلقها المعارضة ضد السلطة، بدون البحث بموضوعية عن أدلة تؤكد أو تنفي وجود هذه المؤامرات.
لا يُنكر عاقل أن هناك مؤامرات هنا وهناك تحدث في الغرف المغلقة، ولكن العاقل أيضا لا ينكر أن استحضار المؤامرات دون أدلة مادية على وجودها هي أسهل طرق تبرير القمع أو الهروب من المسؤولية أو الاعتراف بالخطأ والتقصير.
|